ابن الفارض
70
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
يعني : قصدت مقامات في القرب ، ودرجات في الحبّ ، وأتيتها من غير أبوابها وطرقها التي هي محو الإضافات ، ومحق الذات والصفات ، بل من ظهورها وأضدادها التي هي إثبات الحظوظ ، والجود لا جرم لم تنلها وسدّت أبوابها عن قرع مثلك فضلا عن الانفتاح له ، وهذه العبارة مستفادة من قوله تعالى : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [ البقرة : الآية 189 ] . وبين يدي نجويك قدّمت زخرفا * تروم به عزّا ، مراميه عزّت ( النجوى ) : المسامرة ، ( الزخرف ) : الزينة المموّهة ، ( المرمى ) : المقصد ، و ( المرامي ) : جمع ، و ( عزّت ) : امتنعت ، يعني قدمت قدام مطلوبك الذي هو المواصلة والمسامرة معي زينة ، وجودات مموّهة من الأعمال والأقوال والأهوال ، وتطلب بتوسّلها عزّا لم توجد مقاصده ببذل الروح ، فكيف الزخارف ؟ ! وقد أمرت بتقديم صدقة [ 81 / ق ] الوجود قبل النجوى ، والشهود فيمن خوطبوا ، بقول : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [ المجادلة : الآية 12 ] ، فأين أنت من المرمى الذي تروم . وجئت بوجه أبيض غير مسقط * لجاهك في داريك خاطب صفوتي ( صفوة ) الشيء - بفتح الصاد وضمّها وكسرها - : حاله ، والمراد خالص الحبّ ، ( الخطبة ) رغبة الازدواج ، ونصب خاطب على الحاليّة ، كنصب ( غير ) ، وأراد ببياض الوجه الجاه الحاصل من الغنى على خلاف سواده ، وهو الخمول للفقر ، وأشار إليه قوله - عليه السلام - : « الفقر سواد الوجه في الدارين » « 1 » ، والباء في ( بوجه ) للمصاحبة ، أي : وجئتني حال كونك غير مسقط لجاهك في دنياك وعقباك ، وحال خطبتك عروس حبّي ، وخليلة وصلي بما ظننت صداقها ، ووسيلة عناقها من بياض وجهك ، وجود جاهك في الدنيا والعقبى لا ستغنائك بزخارف العلوم والأحوال والأخلاق والأعمال ، وليس الأمر كما زعمت ؛ لأنك لا تتخلّص إلى جناب عزّتي إلّا بتذلّلك وخمولك ، وإسقاط قبولك : ولو كنت بي من نقطة الباء خفضة * رفعت إلى ما لم تنله بحيلة بحيث ترى أن لم ترى ما عددته * وأنّ الذي أعددته غير عدّتي
--> ( 1 ) لم أقف عليه ، وسواد الوجه في الدارين : هو الفناء في اللّه تعالى بالكلية ، حيث لا وجود لصاحبه أصلا ظاهرا وباطنا ، ودنيا وآخرة ، وهو الفقر الحقيقي .